تفصيل أقوال أهل العلم في اختلاف المطالع

المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف المطالع:

قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -رحمه الله- في "التمهيد" (14/ 356): واختَلَف العلماء في الحكم إذا رَأَى الهلال أهل بلد دون غيره من البلدان، فرُوي عن ابن عباس، وعكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، أنهم قالوا: لكل أهل بلد رؤيتهم، وبه قال إسحاق ابن راهويه، وحجة من قال هذا القول حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما -، ثم أخرج حديث الباب.

ثم قال: وفيه قول آخر، رُوي عن الليث بن سعد، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، قالوا: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول مالك، فيما روي لابن القاسم، وقد رُوي عن مالك، وهو مذهب المدنيين من أصحابه، أن الرؤية لا تلزم غير البلد الذي حصلت فيه، إلا أن يَحْمِل الإمام على ذلك، وأما مع اختلاف الكلمة فلا، إلا في البلد بعينه.

قال أبو عمر -رحمه الله-: إلى القول الأول أذهب؛ لأن فيه أثرًا مرفوعًا، وهو حديث حسن تلزم به الحجة، وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة، وقول طائفة من فقهاء التابعين، ومع هذا إن النظر يدل عليه عندي؛ لأن الناس لا يُكَلَّفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم، ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم، أرأيت لو رُئي بمكة، أو بخراسان هلال رمضان أعوامًا بغير ما كان بالأندلس، ثم ثبت ذلك بزمان عند أهل الأندلس، أو عند بعضهم، أو عند رجل واحد منهم، أكان يجب عليه قضاء ذلك، وهو قد صام برؤيةٍ، وأفطر برؤيةٍ، أو بكمال ثلاثين يومًا، كما أُمِرَ؟ ومَن عَمِل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب، والله الموفق للصواب. نتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه الله- (1)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه الله-: قول ابن عبّاس - رضي الله عنه -: "هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كلمة تصريح برفع ذلك للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وبأمره به، فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز، أو ما قارب ذلك، فالواجب على أهل كلّ بلد أن يعملوا على رؤيتهم دون رؤية غيرهم، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يَحْمِل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهاديّة مُختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهادٌ، ولا تحلّ مخالفته، ألا ترى أن معاوية - رضي الله عنه - أمير المؤمنين قد صام بالرؤية، وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عبّاس - رضي الله عنهما - إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو، ووجه هذا يُعرف من علم الهيئة والتعديل، وذلك يتبيّن فيها أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف مطالع الأهلّة ومغاربها، فيطلُع الهلال ويغرُب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين، وعلى هذا فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بَعُدَ جدًّا، لا فيما قرُبَ، قال: وإلى ذلك صار ابن عبّاس، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وبه قال إسحاق، وإليه أشار الترمذيّ، حيث بوّب: "لأهل كلّ بلد رؤيتهم"، وحكَى أبو عمر بن عبد البرّ الإجماع على أنه لا تُراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان، كالأندلس من خُرَاسان، قال: ولكلّ بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين، قال: وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدلّ على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد، ثم ذكر ما ذكره ابن المنذر من الخلاف في المسألة، وقد تقدّم، ثم قال: وقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نُقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم، وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيُلزِمَ الناس كلّهم الصيام، وعَلّل هذا بأن البلاد كلها لا كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.

قال القرطبيّ: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرّقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم، والصواب الفرق بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيُحمل إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه الله- (2).

وقال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:

(أحدهما): أن لأهل كلّ بلد رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم"، من حديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذيّ عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماورديّ وجهًا للشافعيّة.

(الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد، كخراسان والأندلس. قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقّه كالبلد الواحد؛ إذ حكمه في الجميع.

وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان، لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيّب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغويّ عن الشافعيّ.

وفي ضبط البعد أوجه:

(أحدها): اختلاف المطالع: قطع به العراقيون، والصيدلانيّ، وصححه النوويّ في "الروضة"، و"شرح المهذّب".

(ثانيها): مسافة القصر: قطع به الإمام، والبغويّ، وصححه الرافعيّ في "الصغير"، والنوويّ في "شرح مسلم".

(ثالثها): اختلاف الأقاليم.

(رابعها): حكاه السرخسيّ، فقال: يلزم كل بلد لا يتصوّر خفاؤه عنهم بلا عارض، دون غيرهم.

(خامسها): قول ابن الماجشون المتقدّم. ذكره في "الفتح" (3).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول باعتبار اختلاف المطالع.

وحاصله أن لكلّ أهل بلد تختلف مطالعهم رؤيتهم الخاصّة بهم؛ لأن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ظاهر في الدلالة عليه، وأيضا أن اختلاف المطالع معتبر في دخول أوقات الصلاة، وخروجها بلا خلاف، فلا تجب صلاة الظهر مثلًا على جميع أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالت عنده، فقط، فكذلك هنا من دون فرق، والله تعالى أعلم.

وقد أطال الشوكاني في "نيل الأوطار" في ردّ قول ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأنه اجتهاد منه، فأتى في ذلك بما يُتعجّب منه، حيث يردّ على ابن عباس - رضي الله عنهما -، بدون دليل مقنع، فتأويل قوله: "هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) بأنه أراد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صوموا لرؤيته ... " تأويل بارد، ظاهر التعسّف، فابن عباس - رضي الله عنهما - من أهل اللسان، والفقه، وقد أخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ُ. 

__________

(1)"التمهيد" 14/ 356 - 358.
(2)"المفهم" 3/ 142 - 144.
(3) "الفتح" 4/ 618.

المصدر : البحر المحيط الثجاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

20 / 470-473 




تعليقات الزوار
لا توجد تعليقات حتى الآن


اُكتب تعليقا