حكم التصوير بالأجهزة الحديثة

قد اختَلَف العلماء المعاصرون في هذه المسألة، فمنهم من ألّف رسالة
في إباحتها (1)، ذهب فيها إلى أن الصورة الفوتوغرافيا الذي هو عبارة عن حبس
الظلّ بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة ليس من التصوير المنهيّ عنه؛
لأن التصوير المنهيّ عنه هو إيجاد صورة وصُنع صورة لم تكن موجودة، ولا
مصنوعة من قبل، يضاهي بها حيوانًا خلقه الله تعالى، وليس هذا المعنى
موجودًا في أخذ الصورة بتلك الالة.
وذهب آخرون -وهو الذي يظهر لي- إلى أن حكم الصورة الشمسيّة
حكم الصورة المرسومة،

قال الشيخ مصطفى الحمامي في كتابه "النهضة
الإصلاحيّة" (2): وإني أحبّ أن تجزم الجزم كلّه أن التصوير بآلة التصوير
(الفوتوغرافيّة) كالتصوير باليد تمامًا، فيحرم على المؤمن تسليطها للتصوير،
ويحرم عليه تمكين مسلّطها لالتقاط صورته بها؛ لأن هذا التمكين يُعين على
فعل محرّم غليظ، وليس من الصواب في شيء ما ذهب إليه أحد علماء عصرنا
هذا من استباحة التصوير بتلك الآلة بحجّة أن التصوير لم يكن باليد، والتصوير
بهذه الآلة لا دخل لليد فيه، فلا يكون حراماً، وهذا عندي أشبه بمن يرسل
أسدًا مفترسًا، فيقتل من يقتل، أو يفتح تيّارًا كهربائيًّا يُعدم كلّ من مرّ به، أو
يضع سمًّا في طعام فيهلك كلّ من تناول من ذلك الطعام، فإذا وُجّه إليه لوم
بالقتل قال: أنا لم أقتل، إنما قتل السمّ، والكهرباء، والأسد. انتهى.

وقال الشيخ الألبانيّ رحمهُ اللهُ في "آداب الزفاف" -خلال كلام له-: وقريبٌ
من هذا تفريق بعضهم بين الرسم باليد، وبين التصوير الشمسيّ، يزعم أنه ليس
من عمل الإنسان، وليس من عمله فيه إلا إمساك الظلّ فقط، كذا زعموا، أما
ذلك الجهد الجبّار الذي صرفه المخترع لهذه الآلة حتى استطاع أْن يصوِّر في
لحظة ما لا يستطيعه بدونها في ساعات، فليس من عمل الإنسان عند هؤلاء،
وكذلك توجيه المصوّر للآلة، وتسديدها نحو الهدف المراد تصويره، وقبيل
ذلك تركيب ما يسمّونه بالفلم، ثم بعد ذلك تحميضه، وغير ذلك، مما لا
أعرفه، فهذا أيضًا ليس من عمل الإنسان عند أولئك أيضًا.
قال: وثمرة التفريق عندهم أنه يجوز تعليق صورة رجل مثلًا في البيت إذا
كانت مصوّرةً بالتصوير الشمسيّ، ولا يجوز ذلك إذا كانت مصوّرة باليد.
قال: أما أنا فلم أر له مثلًا إلا جمود بعض أهل الظاهر قديمًا، مثل قول
أحدهم في حديث: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البول في الماء الراكد" قال:
فالمنهي عنه هو البول في الماء مباشرةً، أما لو بال في إناء، ثمّ صبّه في الماء
فهذا ليس منهيًّا عنه. انتهى (3).
وسُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربيّة السعوديّة: ما حكم
الصورة إجمالًا؛ أي: للضرورة وغير الضرورة؟ .
فأجابت بأن تصوير ذوات الأرواح حرام، سواء كان فوتغرافيًّا، أو نقشًا
بيد، أو آلة، ونحو ذلك، واقتناء الصور حرام، وإذا اضطرّ الإنسان إلى شيء
من ذلك بدون اختياره؛ كأن يُطلب منه صورة لجواز سفر، أو لمنحه التابعيّة
جاز له ذلك مع كراهة قلبه للتصوير. انتهى. "فتاوى إسلاميّة" 4/ 357 (4).
وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمهُ اللهُ عن حكم تعليق الصور
الفوتغرافيّة على الجدران؟ فاجاب بأن تعليق صور ذوات الأرواح على الجدران
أمر لا يجوز، سواء كان ذلك في بيت، أو مجلس، أو مكتب، أو شارع، أو غير ذلك، كله منكر، وكلّه من عمل الجاهليّة. انتهى كلامه باختصار (5).
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهُ اللهُ أيضًا عن حكم تعليق الصور
على الجدران.
فأجاب بأن تعليق الصور على الجدران، ولا سيّما الكبير منها حرام حتى
ولو لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر، وأصل
الشرك هو هذا الغلوّ، كما جاء ذلك عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- في أصنام قوم نوح
التي يعبدونها قال: "إنها كانت أسماء رجال صالحين صوّروا صورهم ليتذكّروا
عبادتهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم". انتهى (6).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من أقوال أهل العلم، وأدلّتهم
أنه لا فرق بين الصورة التي تُرسم باليد، وبين الصورة الفوتوغرافيّة؛ إذ المعنى
الذي حُرّمت من أجله الصور موجود في كليهما، فالمفاسد التي تدخل في
الصور موجودة فيهما، وأيضًا إن القول بأن هذا ليس من عمل اليد بطلانه
ظاهر، كما سبق في كلام الحمّاميّ والألبانيّ.
وبالجملة فالمسألة خطيرة أيما خطر، فإن التساهل فيها كثير، ولا سيّما
مع تشجيع بعضن من ينتسب إلى العلم بفتواه بإباحتها، وهذا هو الداهية
العظمى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[تنبيه]: يُستثنى مما سبق الحالة الضروريّة، لقوله عزَّ وجلَّ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ
مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، فيباح اتخاذ الصورة
الشمسيّة لضروة البطاقات الشخصيّة، وجواز السفر، أو نحو ذلك مما لا بدّ له
في حياة الإنسان، وقد ذكر صاحب "التكملة" أن الفقهاء استثنوا مواضع
الضرورة، وقال الإمام محمد في "السِّير الكبير": وإن تحقّقت الحاجة له إلى
استعمال السلاح الذي فيه تمثال، فلا بأس باستعماله، قال: وأعقبه السرخسيّ
في "شرحه" (2/ 278) بقوله: لأن مواضع الضرورة مستثناة من الحرمة، كما
في تناول الميتة، وذكر السرخسيّ أيضًا: إن المسلمين يتبايعون بدراهم الأعاجم
فيها التماثيل بالتيجان، ولا يمنع أحد عن المعاملة بذلك، وقال في موضع آخر من "شرحه" (3/ 212): لا بأس بأن يَحمل الرجل في حال الصلاة دراهم
العجم، وإن كان فيها تمثال الملك على سريره، وعليه تاجه، وقد ثبت في
الأحاديث الصحيحة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجاز لعائشة - رضي الله عنها- اللعب بالبنات، وأن
الفقهاء أباحوا للمرأة أن تكشف وجهها عند الشهادة. انتهى (7).
قال الجامع عفا الله عنه: الحالة الضروريّة قد استثنيت بنصّ الآية
المذكورة، وأما حديث عائشة -رضي الله عنها-، وإن استدلّ به بعضهم، إلا أن الأَولى ما
قاله بعضهم: إنه كان قبل تحريم الصورة، فلا إشكال فيه، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه آخر]: قال صاحب "التكملة" أيضًا: أما التلفزيون والفديو، فلا
شكّ في حرمة استعمالهما بالنظر إلى ما يشتملان عليه من المنكرات الكثيرة،
من الخلاعة، والمجون، والكشف عن النساء المتبرّجات، أو العاريات، وغير
ذلك من أسباب الفسوق، ولكن هل يتأتى فيهما حكم التصوير بحيث إذا كان
التلفزيون، والفديو خاليًا من هذه المنكرات بأسرها، هل يحرم بالنظر إلى كونه
تصويرًا؟ ، ثم قال: لي فيه وقفة ... إلى آخر ما كتبه، لكن ظاهر بحثه كأنه
يميل إلى الجواز، وإن قال في آخر كلامه: ورحم الله امرءًا هداني إلى
الصواب. انتهى (8).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي في المسألة، أنه لا يجوز
التصوير بأي آلة من الأجهزة الحديثة، من التلفزيون، والفديو، وغيرهما، إلا
للأمور الضروريّة التي تقدّم بيانها، وذلك لعموم النصوص الدالّة على تحريم
الصور بأشكالها، والله تعالى أعلم بالصواب.
__________
(1) هو: الشيخ محمد بخيت المصريّ، سمَّى رسالته "الجواب الشافي في إباحة
التصوير الفوتوغرافي".
(2) "النهضة الإصلاحيّة" ص 264 و 565.

(3) راجع: ما سبق في كتاب "تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم" 4/ 162 - 163.
(4) منقول من فتاوى وأقوال كبار العلماء في التصوير، جَمْع عبد الرحمن بن سعد
الشتري، تقديم الشيخ صالح الفوزان ص 25.

(5) "فتاوى العقيدة" 1/ 303 - 305.
(6) "مجموع فتاويه" 2/ 282.

(7) "تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم" 4/ 164.
(8) "تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم" 4/ 164 - 165.

المصدر:البحر المحيط الثجاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

35 / 76-79




تعليقات الزوار
المصطفى محمد
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم وأحسن إليكم شيخنا
: 2020-06-01 20:17
أبو عبد الرحمن
جزاك الله خيرا الشيخ العلامه وبارك في علمه وعمله
: 2020-06-17 20:47
أبو أيوب عبد الوهاب
جزاكم الله كل خير ونفع بكم البلاد والعباد
: 2020-10-06 23:50
خاور مالك
واضح جدا ومفصل
نفع الله بكم
: 2020-10-07 01:14
علي الأوسي
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم
: 2020-10-07 02:45
الإثيبي أبو عبيدة

جزاكم الله خيرا وبارك الله في علمكم
الإسلام والمسلمين ونفع بكم
: 2020-10-07 11:11
أبو عبد الله النذيري
جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا
: 2020-10-08 11:04
علي عبد الهادي
اللهم اغفر لشيخنا
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة
اللهم اجعله في الفردوس الاعلى من الجنة
: 2020-10-08 13:20
سعيد علي
وماذا عن التصوير من أجل التوثيق في إقامة الاحتفالات للطبة المجيدين في القرآن ونحوها مما يتطلبه العصر في التوثيق وإقامة المسابقات التي تحتاج إلى توثيق للبرهنة على إقامة المشاريع المدرسية وغيرها
: 2020-10-08 15:36
علي عبد الهادي
اللهم اغفر لشيخنا
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة
اللهم اجعله في الفردوس الاعلى من الجنة
: 2020-10-08 21:01
علي عبد الهادي
اللهم اغفر لشيخنا
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة
اللهم اجعله في الفردوس الاعلى من الجنة
: 2020-10-08 21:13
أسامة أبورمان
رحمك الله رحمة واسعة اللهم لك الحمد اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفرله وعافه واعفو عنه وأكرم نزله ووسع مدخله وأغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وأكرمه بجنة الفردوس يارب العالمين يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين اللهم وبارك في علمه وأنفع به المسلمين وأفرغ الصبر على أبنائه واجعلهم على دروب العلم سائرين إليك به مقربين وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربِّ العالمين
: 2020-10-09 04:42
محمد إبراهيم علي الزين
رحمك الله شيخنا وغفر لك لقد كنت بحرا زاخرا فى العلم
: 2020-10-09 11:41
جمال محمدبشير الفزاني
فمن اتقى الشبهات فقد استقراء لدينه ..... الحديث ،،،،،
غفر الله للشيخ محمد على آدم واسكنه فسيح جنانه وابدله داراً خيراً من داره.... وكما قيل بيننا يوم الجنائز ....
: 2020-10-09 15:01
أبو عبد الرحمن الجزائري
اللهم اغفر لشيخنا وارحمه واسكنه فسيح جناتك
: 2020-10-09 16:06
جمال محمدبشير الفزاني
فمن اتقى الشبهات فقد استقراء لدينه ..... الحديث ،،،،،
غفر الله للشيخ محمد على آدم واسكنه فسيح جنانه وابدله داراً خيراً من داره.... وكما قيل بيننا يوم الجنائز ....
: 2020-10-10 08:12
محمد بن احمد الحكمي ا
اللهم اغفر لشيخنا واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل، روحه في عليين مع النبيين والصديقين وحسن اولك رفيقا
: 2020-10-10 08:25
محمد بن يوسف الإتيوبي
ﺍﻟﻠﻬﻢ ﺍﻏﻔﺮﻟﻪ
ﻭﻋﺎﻓﻪ ﻭﺍﻋﻔﻮ ﻋﻨﻪ ﻭﺃﻛﺮﻡ ﻧﺰﻟﻪ ﻭﻭﺳﻊ ﻣﺪﺧﻠﻪ ﻭﺃﻏﺴﻠﻪ ﺑﺎﻟﻤﺎﺀ
ﻭﺍﻟﺜﻠﺞ ﻭﺍﻟﺒﺮﺩ ﻭﻧﻘﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ ﻭﺍﻟﺨﻄﺎﻳﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﻨﻘﻰ ﺍﻟﺜﻮﺏ
ﺍﻷﺑﻴﺾ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﺲ ﻭﺃﺑﺪﻟﻪ ﺩﺍﺭﺍ ﺧﻴﺮﺍ ﻣﻦ ﺩﺍﺭﻩ ﻭﺃﻫﻼ ﺧﻴﺮﺍ
ﻣﻦ ﺃﻫﻠﻪ
: 2020-10-12 07:01
مصطفى محمود إبراهيم الناجي
جزاكم الله خيرا
وغفر الله للعلامة محمد بن علي الاتيوبي
: 2020-10-12 07:53
ملياني عبد العزيز
جزاكم الله خيرا على ما نقلتم .ور حم الله شيخنا و غفر له و وسع مدخله و جمعنا و اياه مع النبيئين و الصديقين و الشهداء والصالحين و حسن أولئك رفيقا.
: 2020-10-12 09:09
أحمد
اللهم اجعل جنة الفردوس مأواه
: 2020-10-13 03:06
لوجاني سليم الجزائري
موقع لا يمكن أن يشبع منه المسلم، تبارك الله، جزاكم الله خيرا،
: 2020-10-26 07:20
نبيل عمر

اللهم اغفر له و ارحمه رحمة واسعة
و اسكنه فسيح جناتك
يا كريم
: 2020-11-03 19:08


اُكتب تعليقا