الفوائد

محمد بن الشيخ علي بن آدم الإتيوبي…
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
مرحبا بكم في الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ العلامة …

حكاية مَلِيحَة في أحكام حركات الفعل المضارع المضعف الآخِرِ، وأمره

منذ : 5 سنوات
| الزيارات : 4588

المسألة السادسة: في قوله: “ما لم تصفر الشمس” حكاية مَلِيحَة أحببت إيرادها هنا لكونها ظريفة، مستحسنة، مشتملة على أحكام حركات الفعل المضارع المضعف الآخِرِ، وأمره، لكثرة تكرره في الأحاديث، مثل هذا الحديث:
قال العلامة ابن حمدون رحمه الله في “حاشيته” على شرح المكودي لألفية ابن مالك في “باب الإدغام”، ما نصه:
(تتمة) حكاية جرت عادتهم بذكرها هنا، لمناسبتها، نَقَلَها صاحبُ “الأنيس المطرب” عن الفقيه البوعصامي في ترجمته، وذلك أن بعضهم سأل الفقيه المذكور عن حركة آخر الفعل المضارع المجزوم المضعف الآخر، وعن الأمر منه، نحو لم يَشُدّ، وشُدّ؟ فقال: إن لهذه المسألة قصةً اتفقت للراعي رحمه الله مع بعض أصحابه.
قال الراعي: كان لي صاحب في خواص الملك، فسألني يومًا عن الفعل المضارع المجزوم المضعف، وعن الأمر منه؟ فلما شرعت في الجواب، فَهِمتُ منه، كأنه إنما سألني مختبرًا ما عندي، وأنه غير محتاج إلى جوابي، فسكت عنه، فأعاد السؤال مرارًا، فحلفت يمينًا مغلظة أن لا أخبره حتى ينزل من موضع عال، هو به، ويقعد على الأرض وسط المدرسة من غير حائل بينه، وبين الأرض، ويخضع لي، كما يخضع الصبي لمؤدبه، وإلا فهؤلاء العلماء فيهم كفاية عني في هذه المسألة وغيرها.
فردد رحمه الله الأمر في نفسه مرارًا، وأطرق، ثم قال: لا بأس بالذل في طلب العلم، فإنه عِزّ على الحقيقة، ثم فعل ما طُلب منه، والطَّلَبَةُ ينظرون.
فقلت: يا عبد الله لم تجئني هذه المسألة رَخِيصَة، وسأحدثك كيف استوفيتها:
اعلم أني رحلت يومًا لشيخنا وسيدنا أبي الحسن علي بن محمد الأندلسي الغُرْنَاطي رحمه الله، وكان فقيرًا مُقِلًا، وكان أبوه، وأخوه يعيشان من نقل الحطب على حمارين لهما، وكان أبي تاجرًا في سوق القُمَاش.
فكنت أخدم الشيخ خدمة العبيد الناصحين، فأتيت له صبيحة يوم بارد، فقلت: هل من حاجة؟ قال: نعم، ليس عندنا ماء، ثم أخرج إليّ سَطلًا من نحاس وقُلَّة يسعان أربعين رطلًا من الماء، والماء من بيته على مسافة بعيدة، فأتيت بنحو اثني عشر نَقْلَة حتى امتلأ الزِّير (1)، وجميع أواني الدار.
ثم سلمت عليه، وأردت الخروج، وأنا في غاية التعب، قد ابْتَلَّتْ ثيابي، وامتلأت بالطين، وأنا أرتعد من البرد، فلما رأى ما بي، قال: اقعد حتى أعطيك مسألة جليلة، فقعدت معه.
فقال: ذكر صاحب الدار (2) المكنون إنه وصل رجل إلى أشبيلية يقصد قراءة الحديث على أبي بكر الحافظ، فلما قرأ عليه قوله – صلى الله عليه وسلم -: “ما لم تصفر الشمس”، وفي الحلقة جماعة من الطلبة، فيهم أبو بكر الشلوبين، فقال الشيخ: كيف تضبطون الراء من قوله: “ما لم تصفر الشمس”، فقالوا بأجمعهم بالفتح، ما عدا أبا بكر، فإنه بقي ساكتًا.
فأنشد الشيخ:
أورَدَها سَعدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ … مَا هَكَذَا يا سَعْدُ تورَدُ الإِبلْ

ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: ما تقول أنت؟
فقال: إن العرب على ثلاث فِرَقٍ، مُتْبِعُون، وكاسرون، وفاتحون.
فالمتبعون، يتبعون الحرف المضعف لحركة الحرف الذي قبله؛ فإن كانت ضمة ضموه، نحو: لم يردُّ، ورُدُّ، وإن كانت فتحة، أو ألفًا فتحوا، نحو: لم يَعَضَّ، وعَضَّ، وقوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233]، وإن كانت كسرة كسروه، نحو لم يفرّ، وفرّ يا عمرو، إلا في ثلاث مواضع، فإنهم لا يتبعون لما قبله:
أحدهما: إذا اتصل بالفعل ضمير مذكر غائب، فإن المتبعين إنما يتبعون لحركة الضمير، فيقولون: لم يَفِرُّهُ، وفِرُّهُ، بضم الراء فيهما، ولم يَعَضُّهُ، بضم الضاد، وعليه يخرج قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] إن قلنا: إن “لا ناهية”، لا نافية.
ثانيها: إذا اتصل بالفعل ضمير مؤنث غائب، نحو رُدَّهَا، ولم يَرُدَّهَا، وفرها، بفتح الحرف المدغم فيه اتباعًا لحركة الهاء، وإنما أتبعوا حركة الهاء في الموضعين لخفة الهاء، فلم يعتدوا بها فاصلًا، فكأن الضمةَ باشرت واو الصلة، والفتحةَ باشرت ألف الصلة.
ثالثها: إن لقي آخرَ الفعل ساكنٌ من كلمة أخرى، لامُ تعريف، أو غيرُها، فيرجع المتبعون هنا للكسر، نحو غُضِّ الطرفَ، وعليه يقال: “ما لم تصفرِّ الشمس” بكسر الراء، لا غير.
والفرقة الثانية: الكاسرون؛ يَكسرُون آخرَ الفعل مطلقًا على أصل التقاء الساكنين، فيقولون: ردِّ زيدًا، ولم يردّ، بكسر الدال فيهما، فعلى هذه اللغة، إنما يقال: “ما لم تصفرّ” بالكسر أيضًا، وهذه اللغة لغة كعب، ونمير.
والفرقة الثالثة: الفاتحون، وهم على قسمين: فُصَحاء، وغير فصحاء، فالفصحاء ينتقلون إلى الكسر إذا عارضهم ساكن من كلمة أخرى، فيقولون مُدِّ الحبل، وشُدِّ الرَّحْلَ، بكسر المدغم فيه منها، فيقال حينئذ: “ما لم تصفر” بالكسر أيضًا، وغير الفصحاء لا يزالون على أصلهم من الفتح، ولو لقي آخرَ الفعل ساكنٌ؛ وعليه فيقال: “ما لم
تصفرَّ” بفتح الراء، وعليه فجميع العرب يكسرون آخر الفعل إذا لقيه ساكن، إلا غير الفصحاء، ممن لغتهم الفتح، فإنهم يفتحونه.
فلما فرغ الشلوبين، أنشد الشيخ (من الخفيف):
ذُو المَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تعالَى … هَكذَا هَكَذا وإِلاَّ فلاَ لاَ
وقد نظم هذا التفصيل العلامة القاضي الولي الصالح أبو العباس سيدي أحمد بن الحاج، فقال (من الرجز):
إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَلا تُضَرَّ أَحَدَا

فَاكسِرهُ مُطلَقًا لِقَوْمٍ وافْتَحَا … لآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الفصَحَا
مِن هَؤلاءِ حَيثُ يَلْقَى ساكِنًا … يَأْتُون بالْكَسْرِ كسُرِّ الْحَزَنَا
ثَالِثَةُ اللغَاتِ أن يُتبعَ مَا … يَلي فَإِثرَ ضَمَّةِ لَهُ اضْمُمَا
وَافتَحْهُ بَعْد فَتْحَةٍ أوْ أَلِفِ … وبَعْدَ كسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي
إِلا بنَحْوِ مُسَّهُ وَفِرَّهُ … فَالضَّمُّ عِندَهُمْ كَلا تُمرَّهُ
وَنَحْوُ رُدَّها وَحُبَّهَا افتَحَا … لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ أُوضِحا
وَنَحْوُ غُضِّ الطَّرْفَ غضِّ الَلحْمَا … فَاكسِرة للسَّاكنِ فابغِ الْعِلْمَا
انتهى، “الفتح الودودي على المكودي” جـ 2 ص 206/ 207 وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.


(1) الزِّيرُ بالكسر: الدَّنُّ. اهـ “ق”.
(2) هكذا الدار ولعله الدُّرّ المكنون.

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 7/53

4.2 5 تقييم
تقييم
S’abonner
Notifier de
guest
2 تعليقات
le plus ancien
le plus récent le plus populaire
Inline Feedbacks
إظهار كل التعليقات
أبو إلياس
أبو إلياس
2 سنوات قبل

جزى الله الناشر خير الجزاء … فقد أحسن النشر … وحلّ لي إشكالاً لم أجد له حلّاً إلا اليوم …

ابو عمر
ابو عمر
1 سنة قبل

جزى الله خير الناشر فقد افادنا إفادة عظيمة في هذا الموضوع

2
0
يسرنا معرفة رأيكم، المرجو ترك تعليقx
()
x