قال الجامع عفا اللَّه عنه:
أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التشهّدين جميعًا؛ لظاهر قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “فليقل: التحيّات. . . “، وأمره للوجوب، فأما الأول، فإن تركه ناسيًا جبره بسجدتي السهو؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعل كذلك، وإن تركه عمدًا أعاد الصلاة؛ للأمر المذكور، وأما التشهّد الأخير، فلا يُجبر بالسجود، بل تجب إعادته مطلقًا؛ لظاهر الأمر المذكور، وهذا هو مذهب الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
قال أبو محمد بن قُدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ- ما ملخّصه: التشهّد الأخير والجلوس له من أركان الصلاة؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “قولوا: التحيّات. . . “، وأمره يقتضي الوجوب، ولفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- ودوامه عليه، ولحديث ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: “كنا نقول قبل أن يُفرض علينا التشهّد: السلام على اللَّه قبل عباده. . . “ الحديث، رواه النسائيّ بإسناد صحيح، فقد دلّ أنه فُرض بعد أن لم يكن مفروضًا.
والحاصل أن التشهّدين واجبان لا تتمّ الصلاة إلا بهما، إلا أن الأول إذا تُرك سهوًا يُجبر بالسجود؛ لثبوت ذلك عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-، بخلاف الثاني، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
البحر المحيط الثجاج 9/383